

يشبه “اليوم الأخير” في سوق الانتقالات مباراة كرة قدم مكتملة التفاصيل، فرحٌ خاطف حين تُحسم صفقة في اللحظة الأخيرة، وخيبة قاسية عندما تنهار المفاوضات قبل إغلاق النافذة بدقائق، وقلقٌ ممتدّ حين تحاول الأندية التمسك بنجومها بأي ثمن، في ساعات محدودة تُختزل فيها أسابيع من الحديث والتسريبات والانتظار.
وغالبًا ما يتحول هذا اليوم إلى مهرجان إعلامي صاخب، تتسابق فيه القنوات والمراسلون بين العواصم ومقار الأندية لرصد كل جديد.
ورغم أن نافذة الشتاء الحالية لم ترتقِ إلى مستوى الإثارة المعتاد مقارنة بسنوات سابقة، فإن اقتراب “الموعد النهائي” يعيد الأمل للجماهير في جرعة دراما أخيرة.
حتى الآن، يُعد انتقال لاعب وسط مانشستر سيتي كالفين فيليبس إلى وست هام على سبيل الإعارة من أبرز تحركات الشتاء، فيما واصل توتنهام نشاطه بالتعاقد مع المهاجم تيمو فيرنر، والمدافع رادو دراجوسين قادمًا من جنوى، بينما يترقب المشجعون مفاجآت قد تأتي في الدقائق الأخيرة.
تراث يوم الإغلاق.. من ربطات العنق الصفراء إلى مشاهد “الرنج روفر” الشهيرة
لم يعد “Deadline Day” مجرد محطة إدارية لإغلاق الملفات، بل صار جزءًا من تراث كرة القدم الحديث، بمشاهده المتكررة التي يعرفها الجمهور قبل أن تقع، مراسلون بربطات عنق صفراء، كاميرات أمام ملاعب التدريب، وجماهير تنتظر خارج البوابات، بحثًا عن “لقطة” تؤكد صفقة أو تنفي إشاعة.
وعلى مدار السنوات، شهد اليوم الأخير لحظات لا تُنسى، بعضها طريف إلى حد العبث، وبعضها ترك أثرًا لسنوات بسبب صفقات تعثرت أو تحولت إلى قصص تُروى كل شتاء وصيف.
لقطات صادمة وطريفة.. “موزة” تشعل بثًا مباشرًا
من أكثر المشاهد غرابة، ما حدث خلال تغطية إعلامية في إيطاليا خلال نافذة يناير 2016، حين كان مراسل يقف خارج ملعب ستامفورد بريدج يتحدث بجدية عن تحركات تشيلسي، قبل أن يقاطعه شخص من الخلف بمزحة عبثية عبر وضع “موزة” مطاطية ضخمة أمام وجهه على الهواء.
المشهد انتهى بانفجار غضب المراسل واستحواذه على الموزة وتحويلها إلى أداة “ردّ” غاضب، في لقطة بدت وكأنها من مسلسل كوميدي أكثر من كونها خبرًا رياضيًا.
انتقالان في نافذة واحدة.. حكاية حارس مرمى
وفي شتاء 2018، عاش حارس المرمى الاسكتلندي سكوت باين تجربة نادرة حين انتقل مرتين في نفس النافذة، بدأها بإعارة من دندي إلى هيبرنيان، قبل أن يجد نفسه في اليوم الأخير ينتقل إلى ناديه المفضل طفولياً سلتيك، لدرجة أنه وصل مقر النادي وهو يرتدي ملابس ناديه السابق، بسبب ضيق الوقت واقتراب التوقيع من اللحظات الأخيرة.
عودة “الرقصة الأخيرة”.. صفقة صنعت لحظة عاطفية
أما في يناير 2022، فقد شهدت الجماهير واحدة من أكثر لحظات اليوم الأخير عاطفية، حين عاد جيرمين ديفو إلى سندرلاند في الساعة الأخيرة، وسط موجة حنين لدى الجماهير التي كانت تتذكر أهدافه وتأثيره داخل الملعب وخارجه.
اللافت أن الإعلان غير الرسمي سبق القنوات، بعدما تمكن أحد مشجعي النادي من دخول مقر التدريب وبثّ التفاصيل مباشرة، لتتحول الصفقة إلى قصة “عودة أخيرة” قبل أن تكون مجرد توقيع.
محاولة خطف في آخر لحظة.. وبرباتوف يختار وجهته
وفي 2008، كادت صفقة انتقال ديميتار برباتوف أن تسلك طريقًا مختلفًا تمامًا، مع محاولة مانشستر سيتي خطف اللاعب في اللحظات الأخيرة قبل انضمامه إلى مانشستر يونايتد.
لكن اللاعب حسم رغبته بوضوح، لتتدخل التحركات السريعة ويُغلق الملف لصالح “الشياطين الحمر” بعد سباق توتر استمر حتى النهاية.
“كاشلي كول”.. صفقة صنعت جدلًا وغضبًا ثم مجدًا
صفقة انتقال آشلي كول من أرسنال إلى تشيلسي في 2006 كانت من أكثر صفقات اليوم الأخير إثارة للجدل، ليس فقط بسبب حساسية الانتقال بين الغريمين، بل أيضًا بسبب الضجة التي سبقت الصفقة حول اجتماعات سرية وعقوبات مالية.
ورغم الغضب الذي واجهه اللاعب في البداية، فإن مسيرته في تشيلسي تحولت إلى نجاح كبير وأصبح أحد أبرز الأسماء في تاريخ النادي.
توريس يفتح الباب.. وسواريز يغيّر ملامح ليفربول
في يناير 2011، رحيل فرناندو توريس إلى تشيلسي أشعل موجة غضب لدى جماهير ليفربول، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام صفقات غيّرت تاريخ النادي في السنوات التالية.
ليفربول استخدم الأموال للتعاقد مع لويس سواريز في واحدة من أفضل الصفقات، بينما حملت صفقة أندي كارول عكس ذلك تمامًا، لتصبح مثالًا على أن اليوم الأخير قد يمنحك نجمًا عالميًا أو “رهانًا” مكلفًا.
آلة فاكس تُسقط صفقة القرن.. دي خيا يبقى في اللحظة الأخيرة
ومن أكثر القصص غرابة، انهيار انتقال ديفيد دي خيا إلى ريال مدريد في صيف 2015 بسبب خلل إداري ارتبط بوثائق لم تصل في الوقت المناسب، لتتحول “آلة الفاكس” إلى عنوان عالمي لصفقة كادت أن تُغلق ثم توقفت في الثواني الأخيرة، وتبقى واحدة من أشهر حالات التعثر في تاريخ الميركاتو.
سيارات أمام المقرات.. وأوديموينجي يكتب المشهد الأكثر شهرة
يبقى مشهد بيتر أوديموينجي وهو يقود سيارته بنفسه إلى مقر كوينز بارك رينجرز في 2013 أحد أكثر مشاهد اليوم الأخير شهرة، في محاولة لفرض انتقاله بالقوة بعيدًا عن وست بروميتش. لم تكتمل الصفقة، لكن الصورة أصبحت أيقونة لجنون “Deadline Day”، حيث يتحول اللاعب إلى مراسل لنفسه، ويحمل معه ضغط اللحظة الأخيرة إلى أبواب النادي.
لماذا يبقى اليوم الأخير مختلفًا؟
لأن كرة القدم لا تحب الهدوء في نهايات القصص، ولأن سوق الانتقالات في يومه الأخير يعكس كل ما في اللعبة من توتر ومفاجآت وقرارات مصيرية. قد لا تكون نافذة الشتاء الحالية الأكثر صخبًا حتى الآن، لكن “اليوم الأخير” يظل قادرًا على صناعة الحدث، إما بصفقة تقلب الموازين، أو بلحظة جنونية تُضاف إلى أرشيف لا ينتهي من حكايات الميركاتو.