

تبدو مدة مباراة كرة القدم، البالغة 90 دقيقة، اليوم جزءًا ثابتًا من اللعبة إلى درجة يصعب معها تصور شكل مختلف للمباريات. لكن هذا الرقم لم يولد من دراسة علمية تحدد المدة المثالية للجهد البدني، بل جاء نتيجة حل وسط تاريخي بين مدرستين مختلفتين في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر.
وقبل توحيد قوانين كرة القدم، لم تكن الأندية ملتزمة بمدة واحدة للمباريات. بعض الفرق كانت تخوض لقاءات تستمر ساعة فقط، بينما كانت فرق أخرى تفضل اللعب لفترات أطول، ما جعل تحديد زمن المباراة أحد البنود التي يتعين الاتفاق عليها قبل المواجهات.
خلال المراحل الأولى لتشكل كرة القدم في إنجلترا، كانت المناطق والأندية تعتمد قواعد مختلفة. ولم يكن الخلاف مقتصرًا على تفاصيل اللعب، بل امتد أيضًا إلى مدة المباراة نفسها.
وفي عام 1866، التقى ممثلو مدينة لندن بفريق شيفيلد في مباراة ساهمت لاحقًا في رسم أحد أبرز ملامح اللعبة الحديثة.
أراد فريق شيفيلد أن تمتد المباراة لساعتين كاملتين، بينما فضلت جهة لندن مدة أقصر. ومن هنا ظهر حل وسط تمثل في اللعب لمدة 90 دقيقة، بواقع 45 دقيقة لكل شوط.
لم تُحدد الـ90 دقيقة بناءً على اختبارات علمية أو حسابات دقيقة لقدرة اللاعبين البدنية. كان الاتفاق ببساطة محاولة للوصول إلى مدة مقبولة للطرفين.
ومع مرور الوقت، أثبت الشكل الجديد قابليته للاستمرار، إذ منح اللاعبين مساحة زمنية كافية لخوض منافسة كاملة والوصول إلى نتيجة، دون أن تتحول المباراة إلى اختبار مرهق يمتد لساعتين.
وبدأ هذا النظام ينتشر تدريجيًا حتى أصبح جزءًا مألوفًا من شكل مباريات كرة القدم.
بعد 31 عامًا من مباراة لندن وشيفيلد، تحولت مدة الـ90 دقيقة إلى قاعدة رسمية في قوانين الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عام 1897.
ومنذ ذلك الوقت، انتهت مرحلة تفاوض الفرق حول مدة المباراة قبل انطلاقها، وأصبحت الـ90 دقيقة معيارًا ثابتًا للمواجهات الاحترافية.
وانتقل هذا النظام لاحقًا إلى مختلف مسابقات كرة القدم حول العالم، حتى أصبح أحد أكثر عناصر اللعبة استقرارًا.
رغم استمرار هذا النظام لأكثر من قرن، لم تتوقف الأفكار التي تقترح تعديل زمن المباريات.
وفي عام 2017، ظهر مقترح يقوم على تقليص زمن المباراة إلى 60 دقيقة من اللعب الفعلي، مع إيقاف الساعة عند توقف اللعب، بهدف مواجهة إضاعة الوقت.
لكن المقترح لم يتحول إلى قاعدة مطبقة، وظلت مدة الـ90 دقيقة قائمة.
ولا يرتبط الحفاظ عليها بالجانب الرياضي وحده، إذ أصبح زمن المباراة جزءًا من منظومة واسعة تشمل مواعيد البث والإعلانات والضيافة وتشغيل الملاعب.
رغم أن زمن المباراة الرسمي يبلغ 90 دقيقة، فإن الكرة لا تكون في اللعب طوال هذه الفترة.
التبديلات والإصابات ومراجعات تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR" واحتفالات الأهداف وإضاعة الوقت تقلص الزمن الفعلي للمباراة.
وبحسب الواقع المعاصر الذي تشير إليه المادة، يتراوح وقت اللعب الفعلي غالبًا بين 55 و58 دقيقة فقط.
وهذا الفارق بين الزمن الرسمي والزمن الفعلي أعاد النقاش بشأن الشكل الأمثل لإدارة وقت مباريات كرة القدم.
خلال كأس العالم 2022، شدد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" على احتساب الوقت الضائع بصورة أكثر دقة.
وأدى ذلك إلى ظهور مباريات شهدت إضافة 10 دقائق أو أكثر كوقت بدل ضائع، خصوصًا عند كثرة التوقفات.
وأعادت تلك التجربة التساؤلات حول مستقبل زمن المباريات، وما إذا كان الحفاظ على 90 دقيقة بالشكل التقليدي لا يزال الخيار الأنسب لكرة القدم الحديثة.
وبعد نحو 160 عامًا من الاتفاق الذي جمع لندن وشيفيلد، ما تزال الـ90 دقيقة صامدة أمام محاولات التغيير. وما بدأ باعتباره حلًا وسطًا بين رؤيتين مختلفتين تحول مع الوقت إلى جزء أساسي من هوية كرة القدم وإيقاعها حول العالم.