

لم يعد ظهور رقم كبير على لوحة الحكم الرابع في نهاية الشوطين مشهدًا نادرًا في كرة القدم الحديثة. عشر دقائق، وأحيانًا أكثر، أصبحت جزءًا معتادًا من مباريات البطولات الكبرى.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يعكس توجهًا واضحًا لدى الجهات المنظمة نحو تعويض الوقت الفعلي المهدور داخل المباراة، وإعادة تعريف مفهوم “الـ90 دقيقة” التقليدية.
من دقائق رمزية إلى وقت فعلي محسوب
لسنوات طويلة، اعتاد جمهور كرة القدم على وقت بدل ضائع محدود، غالبًا ما يتراوح بين دقيقتين وخمس، حتى في المباريات التي تشهد توقفات عديدة. كان تقدير هذا الوقت يعتمد بدرجة كبيرة على رؤية الحكم، ما جعل العملية أقرب إلى تقدير شخصي منها إلى حساب دقيق.
لكن مع تطور اللعبة وزيادة وتيرة التوقفات، من احتفالات طويلة بالأهداف، إلى تبديلات متعددة، وعلاج الإصابات، ومراجعات تقنية الفيديو، بدأت الجهات المشرفة على قوانين اللعبة ترى أن الوقت الفعلي للعب يتآكل دون تعويض حقيقي.
فلسفة جديدة: كل دقيقة يجب أن تُلعب
الاتحاد الدولي لكرة القدم اتجه في السنوات الأخيرة إلى فلسفة تقوم على أن زمن المباراة يجب أن يعكس وقت اللعب الحقيقي، لا الوقت الاسمي فقط. بمعنى آخر، إذا توقفت المباراة خمس دقائق بسبب الاحتفالات أو الإصابات، فيجب أن تُعاد هذه الدقائق.
هذا التوجه لا يهدف فقط إلى العدالة الزمنية، بل أيضًا إلى:
تقليل إضاعة الوقت المتعمدة
حماية عدالة المنافسة بين الفرق
رفع القيمة الترفيهية للمباريات
تشجيع اللعب النشط بدل تعطيل الإيقاع
كأس العالم 2022.. نقطة التحول الواضحة
شكلت بطولة كأس العالم 2022 في قطر نموذجًا عمليًا صارخًا لهذا التوجه. شهدت مباريات عديدة أوقاتًا بدل ضائع تجاوزت عشر دقائق، بل وصلت في بعض الحالات إلى ما يقارب ربع ساعة.
أوضح مسؤولون تحكيميون آنذاك أن الهدف كان احتساب كل توقف بدقة، بما يشمل:
الاحتفالات بالأهداف
التبديلات
إضاعة الوقت المتعمدة
إصابات اللاعبين
مراجعات VAR
هذا التطبيق الصارم أظهر أن متوسط زمن اللعب الفعلي في المباراة يمكن أن يرتفع بشكل ملحوظ عندما يُحسب الوقت المهدور بدقة.
تأثير مباشر على الدقائق الأخيرة
زيادة الوقت بدل الضائع غيّرت سلوك الفرق في الدقائق الأخيرة. لم يعد بإمكان فريق متقدم في النتيجة الاعتماد على قتل الوقت بسهولة، لأن كل دقيقة ضائعة قد تعود في النهاية.
أصبحت الدقائق الأخيرة أطول وأكثر توترًا، ما أدى إلى:
ارتفاع عدد الأهداف المتأخرة
زيادة الإثارة حتى صافرة النهاية
تراجع فعالية أساليب تضييع الوقت
ضغط بدني وذهني أكبر على اللاعبين
كثير من المباريات باتت تُحسم بعد الدقيقة التسعين، وهو ما عزز مقولة أن المباراة لا تنتهي إلا مع الصافرة الأخيرة فعلًا.
مدربون بين الترحيب والتحفظ
بعض المدربين رحّبوا بالفكرة، معتبرين أنها تعزز العدالة وتكافؤ الفرص. في المقابل، أبدى آخرون تخوفهم من العبء البدني الإضافي على اللاعبين، خاصة في جدول مباريات مزدحم أصلًا.
زيادة عدة دقائق في كل مباراة، على مدار موسم كامل، تعني جهدًا إضافيًا قد يراكم الإرهاق ويرفع احتمالات الإصابات.
هل نحن أمام “مباريات أطول” فعليًا؟
رغم أن زمن المباراة الرسمي ما زال 90 دقيقة، فإن الواقع يشير إلى أن زمن المشاهدة الفعلي يقترب تدريجيًا من 100 دقيقة أو أكثر في بعض اللقاءات. ومع استمرار هذا النهج، يطرح بعض المحللين سؤالًا أوسع: هل تتجه كرة القدم مستقبلًا لإعادة تعريف زمن المباراة نفسه؟
حتى الآن، لا يوجد توجه رسمي لزيادة زمن الشوطين، لكن التركيز ينصب على استعادة الوقت المهدور بدل تغيير القاعدة الأساسية.
بين العدالة والإيقاع
يبقى التحدي الأكبر في تحقيق توازن بين العدالة الزمنية والحفاظ على إيقاع المباراة. فالإفراط في التوقفات والمراجعات قد يضر بسلاسة اللعب، بينما تجاهل الوقت المهدور يضر بعدالة المنافسة.
الاتجاه الحالي يشير بوضوح إلى أن كرة القدم الحديثة تسعى لأن يكون كل ما يحدث داخل الملعب محسوبًا، بالدقيقة والثانية، وأن زمن اللعب الحقيقي أصبح أولوية لا تقل أهمية عن القوانين الفنية نفسها.
خلاصة المشهد
زيادة الوقت بدل الضائع ليست مجرد تفصيل تحكيمي، بل جزء من تطور أوسع في فلسفة إدارة كرة القدم. الهدف لم يعد فقط ضبط المخالفات، بل ضمان أن تُلعب المباراة فعلًا بالمدة التي تستحقها.
وبينما يعتاد اللاعبون والجماهير على هذه الأرقام الكبيرة في نهاية الشوطين، يبدو أن زمن “الدقائق الرمزية” قد انتهى، وأن كرة القدم دخلت عصر الدقيقة المحسوبة بدقة.