

عاد الفرنسي هيرفي رينارد إلى المكان الذي صنع فيه أحد أكبر إنجازاته، بعد تعيينه مديرًا فنيًا لمنتخب كوت ديفوار للمرة الثانية، يوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026، خلفًا لإيميرس فاييه.
وتأتي عودة رينارد بعد 11 عامًا من قيادته "الأفيال" إلى لقب كأس أمم أفريقيا 2015. ويستهدف المدرب الفرنسي إضافة بطولة قارية ثالثة إلى سجله، عندما تقام نسخة 2027 في كينيا وتنزانيا وأوغندا.
لكن رحلة المدرب صاحب القميص الأبيض لم تسر في اتجاه واحد. فقد صنع أمجادًا استثنائية في القارة الأفريقية، بينما تباينت نتائجه مع المنتخبات العربية بين نجاحات تاريخية ونهايات قاسية.
اختار الاتحاد الإيفواري إعادة رينارد إلى قيادة المنتخب، عقب انتهاء عقد إيميرس فاييه وعدم تجديده. وجاء القرار رغم وصول كوت ديفوار إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم للمرة الأولى خلال مشاركاتها الأربع، قبل الخروج أمام النرويج من دور الـ32.
وسيبدأ رينارد مهمته الجديدة بخوض تصفيات كأس أمم أفريقيا 2027. ويواجه منتخب كوت ديفوار نظيره الغاني على أرضه، ثم يلتقي الصومال بعد أربعة أيام ضمن المجموعة الثالثة.
ولا يدخل المدرب الفرنسي أبيدجان بوصفه اسمًا غريبًا، بل يعود باعتباره الرجل الذي أنهى انتظارًا إيفواريًا دام 23 عامًا، عندما توج المنتخب بكأس أمم أفريقيا 2015.
بدأ رينارد بناء شهرته الأفريقية بعدما عمل مساعدًا للفرنسي كلود لوروا مع منتخب غانا، قبل أن يتولى تدريب زامبيا للمرة الأولى عام 2008.
وقاد المدرب الفرنسي المنتخب الزامبي إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا 2010، قبل أن يعود إليه في ولاية ثانية عام 2011. وبعد أشهر، حقق الإنجاز الأبرز في تاريخ الكرة الزامبية.
وفازت زامبيا بكأس أمم أفريقيا 2012 للمرة الأولى في تاريخها، بعد التغلب على كوت ديفوار بركلات الترجيح في المباراة النهائية. وجاء التتويج في ليبرفيل، بالقرب من المكان الذي شهد تحطم طائرة المنتخب الزامبي عام 1993.
حوّل ذلك اللقب رينارد من مدرب كثير التنقل إلى واحد من أبرز المتخصصين في كرة القدم الأفريقية، ومهّد الطريق أمام انتقاله لاحقًا إلى كوت ديفوار.
تولى رينارد تدريب كوت ديفوار عام 2014، بعد خروج المنتخب من دور المجموعات في كأس العالم بالبرازيل.
وبعد عدة أشهر، قاد جيل يايا توريه وكولو توريه وجيرفينيو إلى نهائي كأس أمم أفريقيا 2015 أمام غانا. وانتهت المباراة بالتعادل دون أهداف، قبل أن يحسم "الأفيال" اللقب بركلات الترجيح بنتيجة 9-8.
أنهى الانتصار انتظار كوت ديفوار الذي استمر منذ لقبها الأول عام 1992. كما جعل رينارد أول مدرب يفوز بكأس أمم أفريقيا مع منتخبين مختلفين، وهو الإنجاز الذي لا يزال ينفرد به.
لا يمكن وصف جميع تجارب رينارد العربية بالفشل، لأن فترته مع المغرب مثّلت واحدة من أهم محطات مسيرته.
تولى المدرب الفرنسي قيادة "أسود الأطلس" في فبراير 2016، ثم أعاد المنتخب إلى كأس العالم بعد غياب استمر 20 عامًا. وحسم المغرب تأهله إلى مونديال روسيا 2018 بالفوز على كوت ديفوار 2-0 في أبيدجان.
ودخل المنتخب المغربي كأس العالم بعدما أنهى التصفيات دون استقبال أي هدف. لكنه خرج من دور المجموعات بعد مواجهات قوية أمام إيران والبرتغال وإسبانيا.
كما قاد رينارد المغرب إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا 2017، قبل الخسارة أمام مصر. وانتهت تجربته عقب الخروج من نسخة 2019، دون أن يلغي ذلك نجاحه في إعادة المنتخب إلى المسرح العالمي.
بدأت تجربة رينارد الأولى مع السعودية في يوليو 2019، ونجح خلالها في قيادة المنتخب إلى نهائيات كأس العالم 2022.
وسجل المدرب الفرنسي أشهر انتصاراته بعيدًا عن أفريقيا، عندما قاد السعودية للفوز على الأرجنتين 2-1 في مونديال قطر. وأنهى ذلك الفوز سلسلة من 36 مباراة متتالية دون هزيمة للمنتخب الذي توج باللقب لاحقًا.
لكن المنتخب السعودي خسر بعد ذلك أمام بولندا والمكسيك، ليودع البطولة من دور المجموعات. وغادر رينارد منصبه في مارس 2023، بعد أكثر من ثلاثة أعوام ونصف، من أجل تدريب منتخب فرنسا للسيدات.
وعاد رينارد إلى السعودية في أكتوبر 2024 خلفًا للإيطالي روبرتو مانشيني. وقاد "الأخضر" إلى التأهل لكأس العالم 2026، لكنه رحل قبل انطلاق البطولة بأقل من شهرين، وحل اليوناني جورجيوس دونيس مكانه.
لهذا لم تكن تجربته السعودية غرقًا كاملًا، بل جمعت بين التأهل إلى نسختين من كأس العالم وانتصار تاريخي على الأرجنتين، مقابل خروج مبكر ونهايتين لم تستمرا حتى البطولة التالية.
خاض رينارد تجربة عربية ثالثة عندما تولى تدريب تونس بصورة طارئة خلال كأس العالم 2026.
جاء تعيينه عقب خسارة "نسور قرطاج" أمام السويد بنتيجة 5-1 وإقالة صبري لموشي. وامتد الاتفاق الأولي حتى نهاية مشاركة المنتخب في البطولة.
لم ينجح المدرب الفرنسي في إنقاذ الموقف، إذ خسرت تونس أمام اليابان 4-0، ثم سقطت أمام هولندا، لتودع دور المجموعات دون بلوغ دور الـ32. وأصبح المنتخب التونسي الوحيد بين المنتخبات الأفريقية العشرة الذي لم يتأهل إلى الأدوار الإقصائية.
كانت التجربة قصيرة للغاية، لكنها مثّلت واحدة من أقسى محطات رينارد، بعدما استقبل المنتخب سبعة أهداف خلال المباراتين اللتين قاده فيهما.
غادر رينارد السعودية في ولايته الأولى ليتولى منتخب فرنسا للسيدات في مارس 2023، بعقد امتد حتى نهاية أولمبياد باريس 2024.
وقاد المنتخب الفرنسي إلى ربع نهائي كأس العالم للسيدات 2023، ونهائي دوري الأمم الأوروبية 2024، ثم ربع نهائي أولمبياد باريس.
وخاض رينارد 27 مباراة مع منتخب فرنسا للسيدات، حقق خلالها 18 انتصارًا و3 تعادلات، مقابل 6 هزائم. وانتهت تجربته بعد الخسارة أمام البرازيل في ربع نهائي الأولمبياد.
تكشف مسيرة رينارد أن وصفه بالفاشل في العالم العربي لا يعكس الصورة كاملة. فقد أعاد المغرب إلى كأس العالم، وقاد السعودية إلى المونديال مرتين، وحقق معها انتصارًا تاريخيًا على الأرجنتين.
لكن القارة الأفريقية تبقى موطن إنجازاته الكبرى. ففيها فاز بلقبيه القاريين، وصنع اسمه مع زامبيا، ثم بلغ القمة مع كوت ديفوار.
ويعود رينارد الآن إلى "الأفيال" بحثًا عن لقب ثالث في كأس أمم أفريقيا. وإذا نجح في المهمة، فقد يصبح أول مدرب يتوج بالبطولة ثلاث مرات مع ثلاثة أجيال مختلفة، ويقترب من الرقم القياسي لعدد الألقاب الذي يتقاسمه الغاني تشارلز غيامفي والمصري حسن شحاتة بثلاث بطولات لكل منهما.