

لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بتوسيع كأس العالم إلى 48 منتخبًا محل إجماع عند الإعلان عنه، إذ توقع كثيرون أن تتأثر جودة المنافسات وأن تفقد البطولة جزءًا من قيمتها الفنية بسبب زيادة عدد المباريات والمنتخبات المشاركة. لكن النسخة الحالية من مونديال 2026 جاءت لتقلب كل هذه التوقعات، بعدما تحولت إلى واحدة من أكثر البطولات نجاحًا على المستويين الرياضي والجماهيري.
ومع الوصول إلى الدور ربع النهائي وبقاء ثمانية منتخبات فقط في سباق المنافسة على اللقب، تؤكد لغة الأرقام أن البطولة الحالية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، سواء من حيث الحضور الجماهيري أو التفاعل الرقمي أو الأرقام الفردية والجماعية التي تحققت على مدار الأسابيع الماضية.
سجلت بطولة كأس العالم 2026 حضورًا جماهيريًا غير مسبوق، بعدما تجاوز عدد الجماهير في الملاعب 6.25 مليون مشجع، مع نسبة إشغال للمقاعد بلغت 99.7%، فيما وصل متوسط الحضور إلى أكثر من 65 ألف متفرج في المباراة الواحدة، وهو رقم يعكس الإقبال الكبير على متابعة المنافسات.
كما تصدر ملعب أزتيكا في المكسيك المشهد الجماهيري بعدما استضاف خمس مباريات تجاوز الحضور في كل منها 80 ألف متفرج، بينما شهدت مهرجانات المشجعين التابعة لـ«فيفا» حضور نحو 7.7 مليون زائر في المدن المستضيفة بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
ولم يقتصر النجاح على الملاعب فقط، بل امتد إلى العالم الرقمي، بعدما أعلنت «فيفا» تسجيل أكثر من 20 مليار مشاهدة لمقاطع الفيديو الخاصة بالبطولة، إلى جانب 30 مليار انطباع و1.7 مليار تفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، في أرقام تفوقت بفارق كبير على مونديال قطر 2022.
على المستوى الفردي، شهدت البطولة تحطيم العديد من الأرقام القياسية، حيث سجل الفرنسي كيليان مبابي أعلى سرعة في البطولة حتى الآن بعدما بلغ 37.6 كيلومترًا في الساعة، بينما تصدر البلجيكي يوري تيليمانس قائمة أكثر اللاعبين قطعًا للمسافات بإجمالي 61.8 كيلومترًا.
وسجل مواطنه تيموثي كاستاني أكبر معدل جري في مباراة واحدة بعدما قطع 16.29 كيلومترًا خلال 90 دقيقة، في حين أطلق السنغالي باب غي أقوى تسديدة في البطولة بسرعة وصلت إلى 131.9 كيلومترًا في الساعة.
أما على الصعيد التهديفي، فيواصل الأرجنتيني ليونيل ميسي التألق بعدما انفرد بصدارة هدافي البطولة برصيد 8 أهداف، متقدمًا على كيليان مبابي وإيرلينج هالاند اللذين يملكان 7 أهداف لكل منهما، في أول نسخة من كأس العالم يشهد فيها المونديال تسجيل ثلاثة لاعبين سبعة أهداف أو أكثر.
كما عزز ميسي مكانته التاريخية بعدما رفع رصيده إلى 21 هدفًا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، إضافة إلى تسجيله في تسع مباريات متتالية، بينما واصل مبابي تحطيم الأرقام بعدما أصبح أكثر اللاعبين تسجيلًا في الأدوار الإقصائية برصيد 11 هدفًا، كما سجل الهدف رقم 150 لمنتخب فرنسا في تاريخ مشاركاته بالمونديال.
وشهدت البطولة أيضًا إنجازات تاريخية على مستوى المنتخبات، بعدما أصبح منتخب المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ الدور ربع النهائي في نسختين مختلفتين من كأس العالم، ليؤكد أن إنجازه لم يكن استثنائيًا أو عابرًا.
كما نجح منتخب النرويج في الوصول إلى ربع النهائي للمرة الأولى في تاريخه، بينما عاد منتخب سويسرا إلى هذا الدور لأول مرة منذ نسخة 1954.
وفي الجانب الدفاعي، فرض منتخب إسبانيا نفسه كأقوى خطوط الدفاع في البطولة، بعدما حافظ على نظافة شباكه طوال مشواره حتى ربع النهائي، فيما سجل الحارس أوناي سيمون رقمًا قياسيًا بالحفاظ على شباكه نظيفة لمدة 609 دقائق متتالية، ليواصل منتخب «لاروخا» تقديم أحد أفضل المستويات الدفاعية في تاريخ كأس العالم.
وبين الأرقام الجماهيرية والإنجازات الفردية والتفاعل الرقمي غير المسبوق، أثبت مونديال 2026 أن قرار توسيع البطولة إلى 48 منتخبًا لم يكن مجرد زيادة في عدد المشاركين، بل خطوة ساهمت في تقديم واحدة من أكثر نسخ كأس العالم إثارة ونجاحًا على الإطلاق.